مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

207

تفسير مقتنيات الدرر

ينزل على محمّد كتابا لا يمحوه الماء ولا يغيّره كرور الدهر ، فحينئذ المعنى أنّ تلك الآيات الَّتي في سورة « الر » هي ذلك الكتاب المحكم الموعود به الَّذي لا يمحوه شيء . وعلى هذا تكون الإشارة إلى الحاضر و « تلك » يشاربها إلى الغائب فكيف يحسن الإشارة بتلك ؟ وأجيب عن هذا في أوّل سورة البقرة في قوله : « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيه ِ » قالوا : إنّه لمّا وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حدّ البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئا : احتفظ بذلك . ثمّ إنّ القرآن لمّا اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسّر اطَّلاع القوّة البشريّة عليها بأسرها والآيات وإن كان حاضرا نظرا إلى صورته لكنّه غائب نظرا إلى أسراره وحقائقه فجاز وصحّ أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب والإشارة وقعت بالغائب لعلوّ شانه وكونه في الغاية القاصية من الشرف وجعله في حكم المتباعد . هذا إذا كان الإشارة إلى هذه الآيات الَّتي في هذه السورة وأمّا إذا كان لفظ « تلك » إشارة إلى ما تقدّم هذه السورة من آيات القرآن فالمعنى أنّ تلك الآيات المتقدّمة هي آيات ذلك الكتاب المكنون الَّذي يعبّر عنه بامّ الكتاب ويكون المعنى حينئذ إشارة إلى البعيد ويندفع الإشكال . وأمّا وصف الكتاب بالحكيم لأنّه يشتمل على الحكمة والصلاح أو أنّه بمعنى الحاكم لأنّه يميّز الحقّ عن الباطل والصواب عن الخطاء وحاكم لمحمّد بالنبوّة لأنّ القرآن معجزته الكبرى ويبيّن صدق نبوّته ويحكم برسالته . أو المراد وصف الكلام بصفة من تكلَّم به قال الأعشى : وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها ؟ ويمكن أن يكون الحكيم معناه المحكم والممتنع عن الفساد والخلل أي لا يغيّره طول الدهر والحكيم في أصل اللغة عبارة عن الَّذي يفعل الحكمة والصواب ولمّا كان القرآن يدلّ على الحكمة والصواب فوصف القرآن به مجازا . قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 2 ] أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ( 2 ) .